خطيبي

في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تجلس في صالة المنزل برفقة والدتها، رن جرس الباب. فتحت الأم لتجد والدة حازم تقف على العتبة، وعلى وجهها علامات الانكسار والحرج. دخلت السيدة واعتذرت بكلمات مضطربة، ثم انهمرت في الدموع وهي ترجو مريم ووالدتها أن يمنحا ابنها فرصة أخيرة.

قائلة بنبرة توسل:”يا مريم يا بنتي، حازم هيموت، بقاله أسبوع ما بيدخلش جوه جوفه لقمة، وبيبكي بالدموع زي الأطفال. عارف إنه غلط، وجاي يبوس إيدك ورأسك قدام المنطقة كلها.. سامحيه يا بنتي، المسامح كريم، وإحنا أهلك وناسك.

”خرجت مريم من غرفتها بخطوات هادئة، كانت ترتدي ثوباً بيتياً أنيقاً يبرز رشاقتها ونضارتها. جلست أمام والدة حازم بكل احترامات الأدب، لكن عينيها كانتا حزمتين من الصلابة. قالت بصوت هادئ ونبرة قاطعة لا تحتمل الجدال:”يا طنط، حضرتك على رأسي من فوق، ولكِ كل التقدير والواجب.

بس حازم ما كسنيش أنا بس، حازم كسر الحرمة والأمان اللي بين أي اتنين مقبلين على بيت. ابنك قرف مني وأنا مريضة، ده مش غلطة لسان، ده كشف عن معدن. اللي يقرف من مرضي وشقايا، ما يستهلش يفرح بجمالي وعافيتي. الموضوع انتهى، والرجوع بقى أبعد له من النجوم.

”حاولت السيدة الاستعطاف مجدداً، لكن موقف مريم الصارم والمدعوم بابتسامة كبرياء غير قابلة للكسر جعل السيدة تدرك أن الباب قُفل بالضبّة والمفتاح، فخرجت تجر أذيال الخيبة لتنقل الخبر لابنها الذي كان ينتظر على أحر من الجمر في المقهى المقابل.

عندما علم حازم برفض مريم القاطع لرجاء أمه، جن جنونه. شعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه، وبات يتملك منه خوف مرعب من أن تضيع منه للأبد، خصوصاً بعدما وصلت إليه تسريبات عن طارق؛ المهندس الوسيم والناجح الذي تقدم لخطبتها رسمياً وعائلته تجهز للزيارة الرسمية.

في مساء اليوم التالي، كانت مريم عائدة من مركز العناية بالبشرة بعد جلسة اهتمام دورية. كانت تمشي بخطوات واثقة، وجهها يفيض بالحيوية، وعطرها الهادئ يسبقها في الممر الصغير المؤدي لمنزلها. وفجأة، خرج حازم من بين ظلال الأشجار على جانب الشارع، واستوقفها بعنف، وعيناه غائمتان بالدموع والغضب والمؤتمرات النفسية.

“مريم! اسمعيني للآخر، ومش هسيبك تمشي المرة دي!” قالها بصوت ملؤه التهديد والرجاء الممتزجين. وقفت مريم دون أن ترف لها جفن، لم تفزع ولم تتراجع، بل رفعت حاجبها بنظرة استخفاف أحرقت ما تبقى من غروره، وقالت ببرود قاتل:”صوتك ما يعلاش يا حازم، وإيدك دي لو قربت خطوة ثانية، هسحبك على أقرب قسم شرطة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *