خطيبي

. أنا مستعد أعتذر قدام الدنيا كلها!” وقفت مريم أمامه تحت ضوء العمود، ينعكس على وجهها النقي بثقة وجاذبية تتلألأ، وقالت له بصوت جاف وواضح: “الفرص بتعطى للي بيغلط في حقنا وهو يحترمنا، مش للي بيطرق على أوجاعنا وينفر من ضعفنا. طريقي خلاص اتغير يا حازم.
. ووقتك معايا انتهى للأبد.” تركته وقذفت كلماتها الأخيرة في وجهه، ثم صعدت السلم بخطوات ثابتة، بينما بقي حازم وسطه الشارع يلملم بقايا كبريائه المكسور، وورده الذي ذبل في يده، يعتصر الندم حسرة على جوهرة لم يعرف قيمتها إلا بعد أن فقدها.
صعدت مريم درجات السلم بخطوات متزنة وواثقة، وكان صوت كعب حذائها يرن في البناء الخالي كإيقاع نصر متتابع. فتحت باب شقتها ودخلت، ثم أغلقت الباب وراءها بهدوء شديد، وأسندت ظهرها عليه لثوانٍ معدودة. أغمضت عينيها واستنشقت نفساً عميقاً متواصلاً، لم تكن تنفسات هزيمة أو حسرة، بل كانت زفرة راحة لروح كانت مسجونة تحت ركام الإهانة، واليوم فقط تحررت بالكامل.
في الأسفل، كان حازم يتخبط في الشارع كالمصدوع. ينظر إلى باقة الورد التي انثنت أوراقها بين قبضته المرتعشة، وإلى رسالة الاعتذار التي باتت بلا قيمة. ألقى بالورد على الأرض بنشيج مكتوم، وضرب بيده على حائط البناية بغلّ وندم ينهكان صدره.
كبرياؤه الذكوري الذي كان يدفعه سابقاً للتعالي والتقليل منها، تحول الآن إلى قزامة أمام ثباتها ورقيها. بات يسأل نفسه بذهول: كيف لتلك الفتاة التي كانت تداري خجلها وتتحمل قسوته أن تتغير إلى هذا الحد؟ كيف استحالت هذه الشعلة الثائرة التي لا تصلها نيران توسلاته؟
مرت الأيام التالية ثقيلة على حازم، لم يكن يستطيع النوم أو ممارسة حياته الطبيعية. صورة مريم بالفستان الأحمر، ببريق عينيها وبشرتها الصافية كشمس الصباح، كانت تطارده في كل لحظة. ترك عمله لعدة أيام، وأصبح يقضي معظم وقته في مقهى الشارع يراقب مدخل بنايتها، علّه يلمح طيفها، أو يحظى بفرصة لينظر في عينيها علّ الجليد يتداعى.
لكن مريم كانت أذكى من أن تمنحه حتى متعة رؤيتها؛ كانت تخرج لعملها الجديد الذي تقدمت إليه مؤخراً بكامل بكامل أناقتها وحضورها في أوقات متغيرة، متجاهلة وجوده تماماً وكأنه كائن أثيري لا يرى ولا يُحس. في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تجلس في صالة المنزل برفقة والدتها، رن جرس الباب.

