خطيبي

ارتدت مريم معطفًا أنيقًا باللون البيج يبرز طولها وقوامها المتناسق، ووضعت لمسات مكياج هادئة أظهرت عينيها الكحيلتين وجمال بشرتها النضرة. نزلت من بنايتها بثقة ورقة، وكانت السعادة ترتسم على وجهها كضوء الصباح. لكن الشارع لم يكن خاليًا.
كان حازم يجلس في سيارته القديمة الرابضة في زاوية الشارع، يراقب مدخل بنايتها بنظرات ذابلة وعينين غائرتين من السهر والتفكير. عندما رآها تخرج وتستقل سيارة الأجرة برفقة والدتها، جن جنونه. كان يُمني نفسه بكل لحظة يراها فيها، وكأن رؤيتها هي المخدر الوحيد لندمه المشتعل.
دون أن يفكر، أدار محرك سيارته وتبعهما عن بُعد، يتتبع أثرها كالمقيد بسحر لا يستطيع الفكاك منه. وصلت مريم ووالدتها إلى البناية الجديدة، وصعدتا إلى الشقة حيث كان طارق في انتظارهما بابتسامته الدافئة وباقة ورد حمراء استقبل بها مريم.
دخلت مريم الشقة، وكان الانبهار يملأ عينيها؛ طارق صمم كل ركن كما كانت تحلم تمامًا، بل وأضاف زاوية خاصة لها مليئة بالكتب والزهور الجافة التي تحبها. وقفت مريم في منتصف الصالة، ونظرت إلى طارق بامتنان وعينين تلمعان بالدموع: — أنا مش عارفة أقولك إيه يا طارق.
. إنت عوضتني عن كل لحظة وجع شفتها في حياتي. مسك طارق يدها برفق واحترام وقال بصوت حنون: — إنتِ ما تستاهليش غير الكرم والعز يا مريم. اللي يشوف جوهرك وما يشيلكيش في عينيه، يبقى ما بيفهمش في الأصول ولا يستاهل يكون راجل في حياتك.
في هذه اللحظة بالذات، كان حازم قد صعد درجات البناية بخطوات مرتجفة. كان الباب المفتوح قليلًا للنقاشين والعمال يتسلل منه صوت طارق وضحكات مريم الصافية. تقدم حازم بخطوات ثقيلة كأنه يسير على جمر موقد، وقسّم نظراته من فتحة الباب.
رآها.. رآها وهي تقف في الشقة الجديدة، تضحك بحرية، وتبتسم للرجل الذي صانها واحتواها. رأى كيف يحيطها طارق بنظرات الأمان والرعاية، وكيف تتفتح أنوثة مريم وجمالها الصافي في حضوره كزهرة وجدت أرضًا طيبة وماءً نقيًا.
تذكر حازم شقته الضيقة الضائعة، وتذكر كلامه القاسي يوم كان يراها مجرد خادمة لشغله ومصاريف جوازه، يوم نعتها بصفات جارحة. تذكر كيف غرس السكينة في قلبها وهي تعاني الحمى والتعب، وأدرك في هذه اللحظة القاسية أن مريم لم تكن ناقصة أنوثة ولا جذابة، بل كان هو الأعمى الذي لم يَرَ النور إلا بعد أن انطفأ في بيته وأضاء في بيت غيره.


