خطيبي

”، يراها الآن ساحرة للعيون، يلتفت إليها الرجال بإعجاب ويحترمها الجميع، بينما هي لا ترى في الكون سوى الرجل الذي قدرها وصانها. حاول حازم أن يتراجع للخلف ليداري هيئته المزرية، لكن مريم —وهي تتلفت بابتسامة— وقعت عينها عليه بالصدفة.
توقفت مريم عن الضحك لثانية واحدة. لم تفزع، لم يتغير لون وجهها، ولم ترتبك. نظرت إليه مباشرة من بعيد.. نظرة طالعت فيها شبحه الشاحب وهيئته المكسورة، لكن لم تكن في عينها أي قطرة انتقام أو تشفٍّ، بل كانت نظرة تجاوز تام، نظرة إنسان ينظر إلى غريب لا يعني له شيئًا في هذه الحياة.
ثم أدارت وجهها بهدوء، ومسكت ذراع طارق وواصلت حديثها وضحكها معه وكأن حازم لم يكن موجودًا من الأصل. كانت هذه اللحظة أشد قسوة على حازم من كل المواجهات السابقة. أدرك أن الانتقام الحقيقي لم يكن بالصراخ أو الشجار، بل كان بالوصول إلى مرحلة “اللاشيء”.
مريم لم تعد بحاجة حتى لأن تكرهه؛ لقد أخرجته من كتاب حياتها تمامًا، وطوت الصفحة بأقفال من الماس والكرامة. خرج حازم من المركز التجاري يركض في الشارع كالذبيح، وصوت زغاريد المهنئين في المحل يرن في أذنيه.
انهار على الرصيف في منتصف الشارع، يغطي وجهه بيديه وينحب بصوت مكتوم، بينما كانت مريم تكمل تسوقها بابتسامة ناعمة، متأهبة لليوم الذي ستزف فيه عروسًا للرجل الذي عرف كيف يصون المضمون قبل أن يبهره الشكل. مرّت الأيام متتابعة، وجاءت الليلة التي طال انتظارها؛ ليلة الزفاف.
ليلة الزفاف. كانت القاعة المنسقة على أعلى مستوى تتلألأ بالأضواء الدافئة، وأصوات الموسيقى المبهجة تعزف ألحان الفرح والكرامة. دخلت مريم القاعة كالملكات، ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعاً، متفصلاً على قوامها الممشوق ببراعة ساحرة، ينسدل بجمال ورقة، بينما كان حجابها المنور ومكياجها المتقن يبرزان نضارة وجهها الصافي وعينيها اللتين تتألقان بثقة ونور.
كان طارق يقف في انتظارها عند أول الممر، وما إن اقتربت منه حتى دمعت عيناه من شدة الإعجاب والفخر، انحنى وقبّل رأسها باحترام ورجولة، ثم أمسك يدها بثبات وقوة كمن يحمل أغلى كنز في حياته.
كانت مريم تتنفس السعادة بكل جوارحها، تشعر أن كل قطرة عرق شقتها في الماضي، وكل دموع ذرفتها يوم الإهانة، قد عوضها الله عنها بعز وحب وقدر رفيع. أما في الجانب الآخر من المدينة، وفي تلك اللحظات بالذات، كان حازم يتخبط في شوارع الحي المجاورة للقاعة كالمجاذيب.

