خطيبي

كملت قبل ما ينطق كلمة: “اللي تشق عشان تبني بيت، ماتستاهلش واحد عينه فارغة ما بيشوفش غير القشور.. الشبكة وحاجتك هتوصلك لباب بيتك بكرة.” وقفلت السكة في وشه، وبلكته من كل حتة! في اللحظة دي، طارت نوبة البرد، والتعب اتبخر ورجع بداله مية عفريت بتنطط في دماغي.
وقفت قدام مراية الدولاب وبصيت لوشي.. الشفايف المتشققة، الهالات السودة، اللون المتغير، والشعر اللي أهملته من كتر التعب. مسحت وشي وقعدت أكلم نفسي بحدة: “بقى أنا مريم اللي الكل بيحلف بجمالها وروحها يتقال عليا كده؟ بقى عشان وقعت مرضة وأهملت نفسي شوية يبصلي باستصغار؟
والله لأوريك مين هي مريم، ولأخليك تأكل في نفسك ندماً!” فقت لنفسي فوقة الفهد اللي راجع يفترس. دخلت الحمام وشغلت المية السخنة، نزلت كل الهم والنفور من على جسمي. طلعت ودخلت على النت، بدأت أعمل سيرش عن كل حاجة تقلب الموازين: ماسكات لتوحيد لون البشرة، جلسات تقشير، تفتيح الأماكن المتغيرة، ووصفات لتضييق المسام.
نزلت الصيدلية وجبت كريمات وسيروم فيتامين C، وعملت جدول قاسي لنفسي: دايت منتظم عشان أنزل الشوية اللي زدتهم، رياضة كل يوم في الصالة، وسويت وتنظيف بشرة وتفتيح ليل ونهار. كنت كل ما أحس بتعب أو كسل، افتكر كلمة “بقيت أنفر منك”، تقوم النار تولع جوايا وتخليني أقوم أفرك جسمي بالقهوة والليمون والزيوت.
عدى شهر كامل.. شهر وأنا محبوسة في الأوضة زي الفراشة اللي بتغزل شرنقتها. نزلت الـ 8 كيلو اللي زدتهم وجسمي بقى متناسق، بشرتي رجعت تلمع وزي القشطة بعد ما اللون المتغير اختفى والمسام اتقفلت، وشعري بقى يبرق وزي الحرير.
في يوم، كان عندي مناسبة في عيلة قرايبنا، قررت أخرج للدنيا بشكلي الجديد. لبست فستان أحمر على المقاس بظبط، وطرحة بيضا منورة، وحطيت ميك أب هادي يبرز ملامحي الرقيقة. وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي بثقة.. مابقتش مريم المكسورة والمجهدة، بقت ملكة كل حتة فيها بتنطق أنوثة وجاذبية.
نزلت من البيت ومشيت في الشارع بثقة وهيبة، والعيون كلها عليا.. وفجأة، وأنا معدية من جنبة القهوة اللي في أول الشارع، كان حازم قاعد مع أصحابه.. وبمجرد ما لمحت عينه جت عليا، وقفت الحركة في الشارع كله!
وجلس حازم على المقعد الخشبي المتهالك أمام القهوة، يقلّب كوب الشاي بغير هدى، وعيناه زائغتان. كان يظن أن مريم ستنهار، ستتصل به تبكي وتتوسل أن يسامحها أو يعود إليها، لكن غيابها لمدة شهر كامل صمت قاتل قتل كبرياؤه.





