خطيبي

نزل خطواته يتعثر في كل درجة، يرى الدنيا من حوله ضبابًا مغبشًا بالدموع. خرج إلى الشارع والبرد ينهك جسده النحيل، فلم يعد يرتدي سوى قميص مجعد أهمله منذ أيام. جلس في سيارته ووضع رأسه على عجلة القيادة، وانفجر في بكاء هستيري طال انتظاره، بكاء رجل أدرك أنه لم يخسر مريم الفتاة فقط، بل خسر نعمته، وسند يومه، وفرصته الوحيدة في أن يكون إنسانًا حقيقيًا.
على مدار الأسابيع التالية، تحول حازم إلى أثر بعد عين. ترك مقهى الشارع، وأغلق هاتفه، وصار حبيس غرفته المظلمة في بيت والدته. كانت أمه تدخل عليه الصينية بالوجبات لتعود بها كما هي، تبكي على حال ولدها الذي انكسر عوده وأصبح يتحدث مع نفسه في الليل، يردد باستمرار: — كانت باينة في الضوء.
. أنا اللي نفرت منها.. أنا اللي ذبحتها وهي مريضة! كان الندم يقرض عقله كالسوس، وكلما حاول أن ينام، تمثلت له صورة مريم بأناقتها وبريق عينيها الصافيتين، تنظر إليه بحسرة واستخفاف وتترك خلفها عبق عطرها الراقي ليتنسم هو غبار الحسرة. وفي المقابل، كانت مريم تخطو نحو مستقبلها بخطوات ثابتة ومستقرة.
مرت الأيام وسار كل شيء كما خططت له العائلتان. جاء يوم الشراء الأخير لمستلزمات الفرح، وكانت مريم برفقة طارق في أحد أكبر المراكز التجارية. كانت تمشي بجانبه متأنقة، تلبس ثوبًا أسود رائع التصميم يبرز نضارة بشرتها التي باتت تلمع كاللؤلؤ، وقوامها الرياضي المتناسق الذي حافظت عليه بقوة وإرادة.
كانت ابتسامتها الدافئة لا تفارق وجهها، بينما كان طارق ينظر إليها بعيون تطفح بالحب والدلال، يشتري لها كل ما تتطلع إليه عينها قبل أن تنطق به. وفي لحظة قدرية، كان حازم قد خرج من عزلته بضغط من أمه التي توسلت إليه أن ينزل للشارع ليشتري بعض الأدوية لوالده المريض.
تصادف وجوده في نفس المركز التجاري بالصدفة، كان يسير منكس الرأس، يجر قدميه جرًّا، بثياب رثة ووجه شاحب ملأته اللحية المهملة والهالات السوداء. وفجأة، رفعت عينيه المجهدتان لتستقرا على مشهد أعاد شريط عذابه بأكمله. على بعد خطوات قليلة، كانت مريم تقف أمام أحد محلات المجوهرات الراقية، وتضع يدها في يد طارق، يضحكان بحب بينما يضع طارق في أصبعها خاتمًا مرصعًا، ثم يمسك يدها ويقبلها بامتنان أمام الجميع.
كانت مريم تتألق كأنها نجمة هبطت من السماء، أنوثتها واضحة وجمالها يسترعي انتباه كل من في المكان. وقف حازم مشلول الحركة. اختفت الأصوات من حوله، وتوقف الزمان عن الدوران. كان ينظر إلى المرأة التي صرخ في وجهها يومًا: “إنتي مش جذابة نهائي!



