خطيبي

اتفضل انزل بالهدوء، عشان ما تزعلش من تصرف ثاني.”شعر حازم برصاصة معنوية تخترق قلبه. كانت مريم تقف بكل كبريائها وأناقتها بجوار رجل أرفع منه خُلقاً ومقاماً، رجل لم يتردد في حمايتها وإظهار قيمتها أمام الجميع.
تراجع حازم خطوة إلى الخلف، وعيناه تسيلان بالدموع والحسرة، ينظر إلى مريم التي لم تمنحه حتى لحظة شفقة واحدة، بل أدارت ظهرها له بإهمال تام وابتسمت لخطيبها الجديد. نزل حازم الدرجات وهو يتخبط في خطواته، يسقط ويرتطم بالجدران كأنما أُصيب بالعمى.
خرج إلى الشارع والندم يأكله، والكلمات التي ألقاها على مريم يوم مرضها تردد في ذهنه كأنها صدى لعنة لا تنتهي: “بقيت أقرف منك.. ومش شايف فيكِ أي أنوثة.” واليوم، رأى الأنوثة والجمال والكرامة تجتمع كلها في امرأة واحدة، ولكنها امرأة أصبحت محرمة عليه إلى الأبد.
عادت مريم إلى الصالون، وأغلقت الباب وراءها، لتتلقى نظرات التقدير من طارق وعائلته الذين كبرت في أعينهم أكثر لشفافيتها وقوتها. وقفت أمام النافذة، ونظرت إلى الشارع حيث كان حازم يجلس على الرصيف يبكي بحرقة في الظلام، فأرخت الستارة الستارة البيضاء الناعمة، معلنةً إغلاق الصفحة القديمة بمسك الختام، والتأهب لفصل جديد من العز والكرامة مرّت الأيام متلاحقة، وبدأت مريم وطارق في خطوات إعداد عش الزوجية بكل شغف وانسجام.
كان طارق حريصًا على أن يشركها في كل تفصيلة، من اختيار ألوان الجدران إلى أثاث المنزل، مؤكدًا لها في كل موقف أن هذا البيت يُبنى ليحتضن راحتها وكرامتها قبل أي شيء آخر. كانت مريم تعيش حالة من السلام النفسي لم تذقها من قبل؛
نضارة بشرتها وصحتها ورشاقتها أصبحت جزءًا أصيلًا من أسلوب حياتها اليومي، ليس بدافع الانتقام كما كان في البداية، بل حبًّا في ذاتها وتكريمًا لجسدها الذي تحمل الكثير. أما حازم، فقد كان ينزلق في قاع من الضياع لا قاع له. استقالته من عمله وعزلته القاتلة عن الشارع جعلا أفكاره تتآكل.
صار يمشي في الطرقات كالمطارد، يُخيل إليه أن الشوارع والبيوت والمارة يتغامزون عليه، يشيرون إلى الرجل الذي فرّط في النعمة يوم مرضها وهوانها، ثم جثا على ركبتيه ينحب كالأطفال حين أشرقت بجمالها وعزتها في يد غيره.
في أحد أيام الشتاء الباردة، كان طارق ينقل بعض المستلزمات إلى الشقة الجديدة التي تقع في بناية راقية في الحي المجاور. ولأنه كان يود أن تفاجأ مريم باللمسات الأخيرة، طلب منها أن تأتي برفقة والدتها لرؤية المنزل بعد اكتمال تجهيزه.





