خطيبي

وفي اللحظة التي قرر فيها أن يتناسى وجودها، انشق الشارع عن هالة لم يرَ لها مثيلاً. خطوات واثقة تتنغم على الأسفلت، فستان أحمر يلتف بقوام متناسق كأنما رُسم بفرشاة فنان، وبشرة ناصعة تتلألأ تحت شعاع الشمس الدافئ، تعكس أنوثة واضحة ورقة لا تُخطئها عين.
اتسعت عيناه، وسقطت ملعقة الشاي من يده لتصطدم بالرخام برنين حاد، بينما جمُدت كلمات أصحابه على ألسنتهم وهم يتابعون طيف هذه الحسناء المارّة. لم تكن سوى… مريم. قام حازم واقفاً في ذهول، كأنما ضُرب بصاعقة.
عيناه أكلتا تفاصيلها: القوام المتناسق، الوجه المشرق الخالي من أي أثر للتعب أو الإجهاد، الأنوثة التي تظهر في كل حركة وسكنة. حاول حازم أن يبتلع ريقه الذي جفّ تماماً، وشعر بدوار يضرب رأسه. هل هذه هي مريم التي تركها قبل شهر تعاني الحمى والإنهاك؟
هل هذه هي البنت التي تجرأ ونعتها بالنفور؟ مرت مريم من أمامه بكبرياء ملكة، لم تلتفت إليه، لم تمنحه حتى نظرة عابرة، بل تجاوزته وكأنه جدار ميت لا وجود له. هذا التجاهل كان أشد من أي صفعة على وجهه. شعر بحرارة الغضب والندم تجري في عروقه كالسم.
ترك أصحابه يتساءلون وهرول خلفها بخطوات سريعة، وصوته يخرج مخنوقاً ومضطرباً: “مريم!.. مريم استني هنا!” وقفت مريم في منتصف الطريق، لم تتفاجأ، بل ابتسمت ابتسامة ساحرة وثابتة لم تبلغ عينيها الباردتين كالجلـيد. التفتت إليه ببطء، رفعت رأسها بثقة تتألق في عينيها، وقالت بنبرة هادئة ورزينة تحمل كل معاني الترفّع: “نعم يا حازم؟
في حاجة نسيت تبعتها مع الشبكة؟” وقف حازم أمامها مبهوتاً، جثا كبرياؤه عند قدميها دون أن يشعر. نظرت عينيه إلى وجهها الصافي الذي يلمع كاللؤلؤ، وإلى قوامها المتناسق الذي يضج بالجمال. ارتبكت كلماته، وتلثم لسانه، وقال بصوت يرتجف نادماً: “إيه ده يا مريم؟ إنتِ… إنتِ بقيتِ كده إزاي؟
أنا… أنا مش مصدق عيني! مريم، إحنا لازم نتكلم، أنا ظلمتك… أنا كنت غبي ومقنعتش باللي في إيدي!” مد يده ليلمس أطراف معصمها، لكنها تراجعت خطوة إلى الخلف بسرعة وحزم، ونظرت ليده بنظرة جعلته يسحبها فوراً كمن لمس ناراً.
ردت عليه بصوت صلب هز أركان الشارع: “تتكلم في إيه يا حازم؟ إنت اتكلمت ووفرت كلامك كله يوم ما كنت مرمية بين أربع حيطان من شدة المرض، يوم ما نسيت إن الشقا اللي غير شكلي كان عشان أبني معاك بيت! يومها شوفت القشور ورجمتني بأبشع الكلام..



