يتيمه منذ طفولتها

عدّى سبع سنين من يوم ما عمر سافر، وبيت جدي خلاص بقى شبه مهجور. جدي مات، وعمّي نقل للمدينة، وأنا بقيت الوحدي تقريبًا. البيت الكبير اللي كان دايمًا مليان أصوات وضحك، بقى فيه صدى خطواتي بس.
كنت كل يوم بعد الشغل أرجع أشرب شاي على البلكونة، أراجع حصص الأطفال في الكشكول، وأبصّ على السما. يمكن لأن السما الوحيدة اللي ما خذلتنيش. وفي يوم عادي جدًا، وأنا خارجة من المدرسة، شُفت عربية سودة فخمة واقفة قدّام الباب. السواق نزل وقاللي: – آنسة ليلى؟ – أيوه؟ – في حد عايز يقابلك.
السواق نزل وقاللي: – آنسة ليلى؟ – أيوه؟ – في حد عايز يقابلك. – مين؟ – هتعرفي لما تركبي. قلبي دق جامد، بس ركبت. العربية مشيت، وأنا مش عارفة رايحة فين. بعد ربع ساعة تقريبًا، وقفنا قدام كافيه على النيل. دخلت، ولقيته قاعد… عمر.
نفس الضحكة، بس الملامح فيها تعب سنين. قام لما شافني وقال: – إزايك يا ليلى؟ – بخير… وإنت؟ – الحمد لله… شكلك اتغيرتي. ضحكت بخفوت: – طبيعي، سبع سنين مش شوية. سكت لحظة، وبصّلي وقال: – كنت بدوّر عليكي من فترة.
– عليّ أنا؟ ليه؟ – علشان أعتذر. الاعتذار ده وقع عليا زي صـ,ـاعقة. قلت وأنا بحاول أهرب بعيني: – مفيش داعي، اللي حصل زمان خلّص. – لأ، ما خلصش. قعد تاني وقال: – نرمين سابتني من سنتين. الجواز ما استمرش. كل حاجة كانت غلط من الأول.
سكت، وبعدها بصّ في النيل وقال: – يمكن كنت فاكر إني بحبها… بس كنت بهرب من نفسي. الكلمات دي حرّكت حاجة جوايا كنت فاكراها ماتت. بس ما حبيتش أظهر ده، قلتله بهدوء: – المهم إنك كويس دلوقتي. – كويس؟ لأ. بس يمكن مرتاح إني بشوفك. – ليه يا عمر؟
– لأنك الوحيدة اللي كنتِ حقيقية. حسّيت قلبي بيناديه، بس العقل شدّني. قلت وأنا بلملم نفسي: – الحقيقية دي اتعلمت تكون قوية. ابتسم وقال: – وأنا اتعلمت إن القوة مش إنك تمشي وتسيب… القوة إنك ترجع وتواجه. قعدنا نتكلم ساعات، عن كل حاجة فاتت، عن الناس اللي راحت، والذكريات اللي فضلت.
وفي لحظة سكون، سألني: – اتجوزتي؟ ضحكت وقالت: – لأ، ما جاش النصيب. – يمكن النصيب جه متأخر شوية. نظرت له باستغراب: – قصدك إيه؟ قالها ببساطة: – قصدي إني لسه بحبك، يا ليلى. الوقت وقف. الكلمة دي كانت حلم زمان، ولما اتحققت… ما عرفتش أفرح ولا أزعل.


