كان مجرد محمود

هي بصّت له، ومسكته من إيده بقوة:
– “متسبنيش تاني.”
– “مش هسيبك… ولا ثانية.”
—
في المستشفى، الدكاترة اتجمعوا، فحوصات، تحاليل، دخول أوضة ولادة استعداداً.
محمود واقف برا الأوضة، لابس لبس التعقيم، إيده بتترعش وهو يعدي صابع بإيده التانية.
كل ما يسمع صرخة من جوه يحس إن قلبه بيتقطع.
شريف اتصل عليه:
– “إنت فين يا عم؟ المدير بيسأل.”
– “في المستشفى… نورسين هتولد بدري.”
– “يا ساتر… طمنا عليها بس.”
سابه، وفضل يدعي:
– “يا رب… يا رب ما تحرمنيش منهم… يا رب لو قصرت سامحني، بس اديني فرصة أصلح.”
—
جوه أوضة الولادة، نورسين بتحارب بين الألم والخوف، والدكتورة فوق رأسها بتشجعها:
– “شدّي نفس… كمان شوية، إنتي شاطرة، البيبي قريب جداً.”
في لحظة، وسط الألم، افتكرت أول مرة حلمت إنها تبقى أم. كانت صغيرة، بتلعب بالعرايس، تقعد تسرّح شعرهم، وتنيمهم وتقول “شووو… نامي يا بيبي”.
افتكرت لما قالت لمحمود:
– “نفسي في بيت صغير وبيبي يملاله.”
وهو ضحك وقال:
– “هيبقى أحلى بيت، وأجمل بيبي.”
دمعة نزلت من عينيها، وبصوت مبحوح قالت:
– “ما تخذلنيش يا محمود… ما تسبنيش.”
الدكتورة افتكرت جوزها اللي كان واقف برّه، المنهار، وقالت لها:
– “هو مستني برّه ومرعوب عليكِ… صدقيني بيحبك.”
—
بعد دقائق طويلة، صرخات، تعب، عرق…
سُمِع فجأة صوت صرخة تانية، بس دي مختلفة.
رفيعة… نقية… أول بكاء لروح جديدة.
الدكتورة ابتسمت:
– “ما شاء الله! بنت… جميلة.”
نورسين انهارت في بكاء صامت، ووشها بقى مبلول بالدموع والعرق:
– “سمّوها… سمّوها إيه؟”
الدكتورة سألت:
– “متفقين على اسم؟”
– “كنا… كنا بنفكّر في اسمين، بس ما اتفقناش… نستنى محمود.”
—
برّه، محمود سمع صوت البكاء. وقف، قلبه نط من مكانه.
ممرضة خرجت بابتسامة:
– “مبروك يا بابا… ربنا رزقك ببنت.”
الكلمة دي “بابا” دخلت قلبه جوّه، عملت صوت، خبطت في كل الجدران اللي بناها حوالين مشاعره.
– “بنت؟”
– “أيوه، وبصحة كويسة، ومراتك كمان الحمد لله، بس محتاجة ترتاح.”
عينه دمعت لأول مرة من سنين.
– “أقدر أشوفهم؟”
دخل الأوضة بهدوء، شاف نورسين على السرير، شاحبة، بس في ملامحها سلام عجيب. على صدرها كانت في لفّة صغيرة وردية، ووشّها اللي قدّ عينها كان أصغر من كف إيده.



