كان مجرد محمود

—
في نفس اللحظة، في مكتب صغير في شركة مزدحمة، محمود كان قاعد على مكتبه. المكتب مليان أوراق، وشاشة الكمبيوتر مفتوحة على جدول طويل من الأرقام. زميله شريف دخل، قعد على طرف المكتب وقال له:
– “إيه يا عم، وشك مصفّر كده ليه؟”
– “ولا حاجة… صداع بسيط.”
– “مش من قلة النوم، من قلة الفرح… مراتك حامل، ومخه مشغول في الفواتير بس؟”
محمود ضحك ضحكة باهتة:
– “يا عم إنت مش فاهم… أنا لو ما حسبتشهاش صح، بكرة نغرق.”
– “بس لو فضلت تحسبها كده، هتخسر حاجة أهم من الفلوس.”
الكلمة دي وقفت في ودنه.
خسران إيه؟
هل هو فعلاً بيخسر نورسين من غير ما يحس؟
في اللحظة دي، موبايله رن. رسالة من نورسين:
> “دخلت للدكتورة… هدخل على السون*ار دلوقتي.”
مسك الموبايل، وبدأ يكتب:
> “تمام حبيبتي، طمنيني.”
بس ما بعتهوش فوراً. فضل باصص في الشاشة. فجأة تخيّل وشها وهي لوحدها في الأوضة الباردة، على السرير، والجل البارد على بطنها. تخيّل إيديها وهي بتدوّر على إيده عشان تمسكها وما تلاقيهاش.
حس بحاجة بتخنقه. حاجة بين الندم والذنب.
قام فجأة من على الكرسي.
شريف سأله:
– “رايح فين؟”
– “مراتي… عندها كشف دلوقتي، ولازم أروح.”
– “طب الشغل؟”
– “الشغل كتير… بس اللحظة دي مش هتتكرر.”
خرج من الشركة يجري، نسي شنطته، نسي الورق، نسي كل حاجة.
—
في العيادة تاني، الدكتورة قالت:
– “إنتِ كويسة؟ شكلك متوتر شوية.”
– “خايفة بس… كل مرة بأجيلك لوحدي بحس إن في حاجة ناقصة.”
الدكتورة بصّت لها بتعاطف:
– “جوزك مشغول؟”
– “هو… آه، بس أوقات بحس إنه مش عايز يواجه المسؤولية.”
سكتت الدكتورة لحظة، وبعدين قالت:
– “عارفة، الرجالة ساعات بتخاف أكتر مننا، بس بيعبّروا بطريقة غلط… بالهرب.”
نورسين ضحكت بسخرية ناعمة:
– “بس الهروب وجع… وجع أوي.”
—
محمود كان بيقطع الشوارع جري، بيعدّي بين العربيات، نبضه بيعلى مع كل خطوة.
في دماغه مشاهد سريعة: يوم كتب الكتاب، لما شافها أول مرة بفستان أبيض بسيط وعينين بتلمع. ليلة دخلتهم لما كانت بتترعش من الخوف وهو بيطمنها. أول مرة قالت له “حبيبى أنا حاسّة إني حامل”.
وبعدين صوتها وهي بتقول “روح معايا يا محمود”.
وهو بيرفض.
وصل قدام العيادة.
طلع على السلم اتنين اتنين، وهو نفسه مقطوع، قلبه بيدق بسرعة.



