كان مجرد محمود

—

جِه اليوم ده.
نورسين لبست عباية واسعة، حطت شال خفيف على راسها، وخبّت عيونها بتحديد خفيف عشان تخفي التعب.
مسكت شنطتها، وقفت في نص الأوضة، بصّت له.
كان لسه على الموبايل.

– “أنا نازلة يا محمود.”
– “ماشي، طمنيني.”
– “ولو الدكتور قال حاجة؟”
– “هيقول إيه يعني؟ إن شاء الله خير. ابعتيلي على واتساب.”

شعرت إن الكلمة وقعت زي حجر. واتساب!
بقيت لحظاتهم تُعاش على شاشة موبايل، مش في نفس الأوضة.

خرجت من الشقة، والسلم كأنه أطول من العادة. قلبها تقيل، بس رجليها بتتحرك غصب عنها. ركبت الأسانسير، نزلت، ومسكّت بطنها بحنان:
– “ما تخافش يا حبيبي، ماما معاكي… حتى لو بابا مش فاضي النهاردة.”

حست بنبضة جوّا كأن البيبي بيرد عليها. ابتسمت غصب عنها.

—

في العيادة، ريحة المعقمـ,,ــات والبرد. ستات قاعدين في الاستقبال، بعضهم ماسك بطونهم، وبعضهم شايلين أطفال بيعيطوا. أصوات خفيفة، همس، أرقام تُنادى، وشاشة صغيرة بتلمع عليها أسماء.

جلست على كرسي في الركن، حاضنة شنطتها كأنها بتتحامى فيها.

الممرضة نادت:
– “مدام نورسين محمود!”

قامت، دخلت أوضة السون*ار.
الدكتورة كانت شابة، مبتسمة، نظارتها على طرف أنفها:
– “عاملة إيه يا نورسين؟ جاهزة تشوفي البيبي؟”

ابتسمت بتوتر:
– “جاهزة… بس لو ينفع نطمن على كل حاجة النهاردة بالتفصيل.”
– “أكيد، إنت في الشهر الكام دلوقتي؟”
– “التامن.”

نامت على السرير، رفعت العباية شوية، حست ببرودة الجل على بطنها، وبدأت الدكتورة تحرك الجهاز.

سكون.
ما فيش غير صوت جهاز السون*ار وهو بيعمل “بييب” خفيف.
وعينين نورسين معلقة في الشاشة.
الدكتورة قالت بابتسامة:
– “ما شاء الله… شايفاه؟”

على الشاشة كان في كائن صغير جداً، بس عظيم جداً، مكوّر، رجله الصغيرة واضحة، إيده بتتحرك حركة بسيطة، وقلبه… قلبه كان بيخفق بسرعة، صوت النبضات بيملأ الأوضة.

– “اسمعي…”

وبدأ صوت “دوم دوم دوم دوم” السريع يرن في ودنها.
عينها غرقت بالدموع:
– “ده… ده قلبه؟”
– “أيوه، قلبه… وصحته كويسة، والحجم ممتاز، والوضع طبيعي.”

كانت لحظة مقدسة، لحظة بيختلط فيها الخـ,ـوف بالحب، القلق بالإيمان. لحظة كانت تتمنى إن محمود يكون جنبها فيها، يمسك إيدها، يضغط عليها لما يسمع صوت النبض لأول مرة.

أغمضت عينيها، وسرحت:
تخيّلت محمود واقف جنبها، ماسك إيدها، يضحك ويقول: “ده ابني! سمعتي نبضه؟ ده ابني!”
بس لما فتحت عينيها ما لقيتش غير الدكتورة، والسقف الأبيض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *