كذبه العمر

مصطفى حس بإهانة مابعدها إهانة. الفلوس اللي كان فاكرها كرم من ربنا، كانت صدقة من الراجل اللي دمر حياته وحياة العيال! “أنت بني آدم معندكش قلب.. أنت وأمهم زبالة!” مصطفى صرخ وبدأت عروق رقبته تظهر.
وفي اللحظة دي، ومن باب الغرفة الداخلية للشقة، ظهر صوت كعب عالي بيتحرك على الأرض الباركيه.
الباب انفتح بالكامل، ودخلت ست.. هي فادية.
نفس الملامح، بس بوش مشدود بعمليات تجميل، ولابسة مجوهرات تمنها يبني ورش ميكانيكا بحالها. بصلتهم برود غريب، مكنش فيه في عينيها دمعة واحدة ولا لهفة أم.
“أنت إيه اللي جابك هنا يا مصطفى؟ وجايب أحمد معاك ليه؟” فادية قالتها بصوت حاد، خالٍ من أي حنان.
أحمد أول ما شافها، دموعه وقفت. النظرة اللي في عينيه تحولت من صدمة لغل ملوش آخر: “أمي؟ أنتِ أمي اللي كنت بصلي كل ليلة وأدعي ربنا يرحمك في تربتك؟ أنتِ عايشة هنا في العز ده وسيبانا ناكل في بعض؟”
قربت فادية وحطت إيديها في وسطها: “أنا سيبتكم مع راجل بيحبكم! كامل كان هيسجنني يا أحمد! أنا ضحيت بنفسي عشان مروحش السجن والناس تقول أمكم حرامية ومزورة!”
“كدابة!” مصطفى اللي نطق المرة دي، صوت زلزل الصالة الكبيرة. قرب منها لحد ما بقى وشها في وشه: “أنتِ محبتهومش ولا يوم. أنتِ هربتي من كامل عشان الفلوس، وهربتي من العيال عشان الفلوس، وعايشة دلوقتي بالفلوس. العشر سنين اللي أنا عشتهم في الشقى، كنت بشوف ضحكتك في وشوشهم، كنت فاكرك ست شريفة والبحر غدر بيها.. طلعتي أنتِ الغدارة والبحر أنضف منك بكتير!”
كامل تدخل وقف بين مصطفى وفادية: “جرى إيه يا أسطى؟ اهدى ولِم لسانك، أنت في بيتي. وأنا مش هسمحلك تغلط هنا. المشهد ده لازم ينتهي. العيال كبروا، وأحمد أهو بقى طول الباب. أنا مستعد أعوضك عن العشر سنين دول.. شيك بمبلغ يخليك تقفل الورشة وتعيش برنس طول عمرك، بس بشرط.. العيال ييجوا يعيشوا معايا هنا، وياخدوا اسمي الحقيقي في الورق، وأنت تطلع من حياتهم تماماً.”
مصطفى بص لكامل، وبعدين بص لفادية اللي كانت بتبص على ضوافرها ببرود، وبعدين بص لأحمد. أحمد كان واقف، جسمه بيبترعش، باصص للأرض، وعقله مشحون بأفكار مرعبة.
“تعوضني؟” مصطفى قالها وهو بيضحك بوجع وعينيه مليانة دموع: “تعوضني عن سهر الليالي؟ عن ضفاير منة وليلى؟ عن حسن وحسين لما كانوا بيجوا يعيطوا في حضني عشان العيال في المدرسة بيقولولهم يا يتامى؟ الفلوس بتاعتك دي تدوس عليها بجزمتي يا كامل بيه.”


