كذبه العمر

الصمت اللي نزل على الصالة في اللحظة دي كان أتقل من جبال الدنيا. صوت نفس مصطفى كان طالع بطلوع الروح، كأنه لسه طالع من تحت المية بعد غرق طال عشر سنين. بص للعيال اللي اتجمعوا حوالين أحمد، كلهم عينيهم على شاشة التليفون المكسورة اللي لسه منورة باللقطة الأخيرة من الفيديو. الست اللي في الفيديو اختفت، بس الوجع اللي سابته كان لسه صاحي، بياكل في جدران البيت وفي قلوبهم.
مصطفى وطى على الأرض بركب تيلانة، شال التليفون من وسط فتافيت الإزاز الزجاجية. صباعه كان بيرتعش وهو بيحاول يعيد الفيديو تاني، بس الشاشة فصلت تماماً، كأنها بتعلن إن الحقيقة المريرة دي مش هتتعرض ببلاش. بص لأحمد اللي كان واقف ساند ضهره على دولاب المطبخ الخشب القديم، ووشه أصفر زي الليمونة.
“أنت متأكد يا أحمد؟” مصطفى سأله، وصوته كان واطي ومشروخ، صوت راجل خايف من الإجابة. “متأكد إنها هي؟ محطة الرمل زحمة، والناس بتشبه على بعض يا ابني.”
أحمد مسح وشه بـ إيديه الناشفة من شقى الورشة هو كمان، ونزل على ركبه قصاد مصطفى: “يا بابا.. أنا عشت تسع سنين من عمري في حضن الست دي. أنا حافظ مشيتها، حافظ نزلة كم فستانها، وحافظ الخال الصغير اللي في رقبتها من ورا. الست اللي في الفيديو كانت هي، وكانت بتضحك.. بتضحك يا بابا ومفيش على وشها أي هم، كأنها مسابتش وراها ست عيال وراجل دمر حياته عشانهم!”
في الركن، كانت منة وحسن وحسين ملمومين حوالين ليلى اللي كانت لسه بتبكي بنشيج مقطوع، صوتها كان يقطع القلب. مريم، البنت الكبيرة اللي بقيت في مقام أمهم دلوقتي، قربت من مصطفى، عينيها كانت مليانة غضب ممزوج بكسرة نفس: “يعني إيه يا بابا؟ يعني أمي مأكلهاش السمك زي ما عيطنا عليها؟ يعني أمي سابتنا بإرادتها؟”
مصطفى مقدرش يبص في عينيها. لفه وشها الناحية التانية وهو بيحس بدم خفيف بيسيل من صباعه بسبب إزاز الشاشة المكسور. الوجع الجسدي مكنش يذكر جنب النار اللي شبت في صدره. افتكر أيام زمان، افتكر يوم ما وقف في المحكمة عشان يثبت وصايته عليهم كولي أمر طبيعي بعد ما الحكومة اعتبرت فادية “مفقودة”، افتكر كم الإهانات والشكوك اللي شافها من طوب الأرض. “أكيد وراك مصلحة”، “أكيد طمعان في معاش ولا شقة”، “أنت مش أبوهم عشان تخاف عليهم كدة”.. كلمات الناس كانت بتنهش في لحمه، وهو مكنش بيمشي غير بكلمة واحدة: “عشان خاطر فادية.” ودلوقتي؟ فادية بتتمشى في محطة الرمل!




