جوز امي

وقبل ما يموت، كان حاطط جزء كبير من فلوسه، ومعاه أسهم في الشركة اللي كان شغال فيها، في حساب أمانة باسمنا أنا وملك. الفلوس دي كان المفروض تبقى من حقنا بالكامل أول ما نتم التمنتاشر سنة. سامح كان فاكر إن أمي هي اللي مسيطرة على الفلوس دي. وأمي عمرها ما صححت له المعلومة دي. بعد وفاة بابا، خالي «طارق» حذرنا وقال لنا إن الفلوس ساعات بتجيب ناس خطرين حواليها، وإن لازم نخلي بالنا من نفسنا.
لكن خالي كان شغال بره مصر وقتها، وسافر لفترة طويلة، ومع الوقت أمي بدأت تمنعنا حتى من إننا نكلمه. كل مرة كان خالي يحاول يتصل، كانت أمي تقول لنا إن مفيش مكالمات. وسامح بدأ يقول للجيران إننا بنات مدلعة، ومضطربين، ومش بنقدر النعمة. وبالتدريج، البيت اللي كنا فاكرينه بيتنا اتحول لسجن. أبواب بتتقفل بالمفتاح.
لكن في الليلة دي، سامح غلط. غلط غلطة عمره. ملك حاولت تحميني بجسمها لما قرب مني، فضربها جامد وخبطها في الحيطة. من غير ما أفكر، اندفعت عليه. لكن كل حاجة حصلت في ثانية. ضربة قوية جت في جنب راسي، وفجأة الأرض بدأت تلف بيا. آخر حاجة افتكرتها كانت صرخة ملك. وبعدها… فقدت الوعي. لما فتحت عيني، لقيت نور أبيض قوي فوق وشي. ريحة المطهرات مالية المكان. وأصوات أجهزة المستشفى حواليا.
كنت في طوارئ مستشفى حكومي كبير. ولما لفيت وشي ناحية السرير اللي جنبي، لقيت ملك مغمى عليها ولسه ما فتحتش عينيها. أما سامح، فكان واقف جنب الستارة بكل هدوء، وكأنه مفيش أي حاجة حصلت. كان حتى بيغسل إيديه. وفي الناحية التانية، أمي كانت ماسكة شنطتها وبتتكلم مع دكتور الطوارئ بهدوء غريب، وقالت له: «البنتين كانوا نازلين السلم واتزحلقوا… هما بس كانوا بيتخانقوا ووقعوا على بعض». الدكتور «شريف» ما ردش عليها فورًا.
قرب مني، وبص على دراعي. كان فيه كدمات بأشكال مختلفة. وبعدين بص ناحية ملك. ورفع الغطا عن دراعها. نفس الكدمات تقريبًا. نفس الأماكن. نفس الأشكال. فضل ساكت ثواني، وبعدين بص لأمي وقال: «الاتنين وقعوا من نفس السلم؟» سامح دخل في الكلام بسرعة وقال: «يا دكتور دول مراهقين… ممكن يقولوا أي كلام. عالجهم وخلاص».
الدكتور شريف بص له للحظات من غير ما يتكلم. وبعدين خرج من الغرفة. لكن قبل ما يخرج، قفل الباب من بره. سامح استغرب. راح ناحية الباب وحاول يفتحه. في اللحظة دي، الدكتور شريف كان واقف في الممر جنب فرد الأمن. وقال له بصوت واطي لكن حازم: «ماتخليش حد يخرج من هنا… واتصل بالشرطة فورًا». سامح سمع الكلام. ابتسم ابتسامة باردة وقال: «إنت مش فاهم إنت بتتهم مين يا دكتور».

