سلفتي سكر

عندما عاد رجال البيت رفقة الشرطة بعد استكمال المحاضر وضمان حظرهم خلف الأسوار لسنوات طويلة، أشرقت الشمس على وجه البيت معلنة نهاية حقبة الرعب والغل إلى غير رجعة.
وقفت سعاد في منتصف الصالة، والشمس تداعب وجهها، ونظرت إلينا جميعاً بابتسامة النصر والعزة، ثم رفعت رأسها وأطلقت زغروطة هزت جدران البناية والشارع كله:
“لولولولولولولولولوي! يترد الكيد في نحر صاحبه، ويفضل بيتنا عامر بعزنا وضحكتنا وستر ربنا اللي ما بيتسحبش أبداً!”
احتضن الجميع بعضهم البعض بدموع الفرحة، وعادت البهجة الصافية تملأ الأركان، غير أن سعاد التفتت إليّ فجأة بابتسامة خبيثة ومبهجة وقالت: “استعدي يا بت.. الدور عليكي إنتي وجوزك، مشوار الحجاز قرب والفيزا طلعت!”
سادت حالة من الفرحة العارمة بين جدران البيت بعد أن انكشفت الغمة الأخيرة وضُبِط الجناة متلبسين بشر أعمالهم. لم تكن الفرحة هذه المرة مجرد ارتياح من أذى زائل، بل كانت نصرًا عزيزًا ورضاً كاملاً ألقى بظلاله على كل شبر في المكان. بدأت العائلة تستعيد طمأنينتها الأسرية، وعادت اللمات اليومية حول مائدة الطعام مليئة بالضحك والأحاديث الطيبة التي لا تخلو من تعليقات سعاد الفرفوشة وزغاريدها المبشرة كلما حدث أمر يسر الخاطر.
وفي صباح يوم مشرق، وبينما كنا نعد المشروبات في المطبخ ونتقاسم المهام اليومية بروح أسرية دافئة، دخل زوجي الصالة ووجهه يفيض بالبشر والسرور، يحمل في يده مظروفًا أنيقًا. ألقى السلام بنبرة حنونة مليئة بالشكر، واقترب مني أمام الجميع وهو يبتسم ابتسامة عريضة لم أرها على وجهه منذ فترة طويلة.
سأله حمايا باهتمام: “خير يا بني؟ إيه المظروف اللي في إيدك ده؟ شايف وشك منور ومبتهج على الصبح!”
فتح زوجي المظروف وأخرج منه الأوراق وهو ينظر إليّ بعيون مليئة بالمودة والامتنان: “الحمد لله يا أبا.. ربنا فتحها علينا بعد الصبر والدعاء، وأخيرًا تأشيرات الحج وأوراق زيارة بيت الله الحرام طلعت كاملة ومكتملة لي ولزوجتي! ده الفضل بعد ربنا يرجع لدعواتكم ولجدعنة سعاد اللي كانت دايماً تتفاءل وتدعي بالحجاز!”
هبط الخبر على قلبي كشلال من النور والدفء، وتجمدت حركتي لحظات من شدة المفاجأة والتأثر. كان حلم زيارة بيت الله الحرام يراودني منذ سنوات طويلة، وكنت أترقبه بلهفة ورجاء. دمعت عيناي خشوعًا وشكرًا لله، وقام حمايا من مكانه يحتضن زوجي ويدعو لنا بالقبول والسلامة.


