سر الميلاد

تابع الباقي في الجزء الرابع
“البنت… البنت عند نادية الممرضة يا سلمى! نادية اللي كانت بتولدك، هي اللي خطفتها وسافرت بيها قرية في أسوان، وهناك سلمتها لناس تانية عشان يداروها عن شيرين!”
طارق قالها وصوته كان بيترعش من كتر الغضب والذهول. الورقة وقعت من إيده، ووقف وهو بيبص لسلمى اللي كانت زي التايهة، ملامحها ثابتة، وعيونها مش قادرة تستوعب حجم الخيانة والوجع اللي عاشته.
سلمى اتنفضت من مكانها، ووقفت قدام طارق، مسكت قميصه بقوة وقالت بصوت مليان قهر:
“نادية؟ نادية الممرضة اللي كانت بتطبطب عليا وتديني الحقن؟ نادية اللي كانت بتبكي معايا لما قالولي البنت ماتت؟ دي شيطانة! دي شيطانة تانية في ثوب ملاك يا طارق!”
طارق مسك وشها بين إيديه، وقال بنبرة حادة ومطمئنة في نفس الوقت:
“مش وقت دموع ولا وقت لوم يا سلمى. بنتك موجودة، وعارفين مكانها. شيرين لسه بره بتخطط، والبوليس في الطريق، والقرية دي مش هتاخد مني غير سعتين سواقة. البسي عبايتك، خدي “نور” معانا، وماتخافيش… مش هسيبك، ومش هخلي حد يلمس شعرة من بنتك الحقيقية.”
في الطريق لأسوان.
السما كانت مغيمة، والجو مشحون بالتوتر. سلمى كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، ضامة “نور” لحضنها اللي بدأت تحس بإن فيه حاجة غلط، وبدأت تعيط. طارق كان سايق بسرعة جنونية، عيونه مابتبعدش عن المراية، بيراقب أي عربية ماشية وراهم.
سلمى بصت لنور، ودموعها نزلت:
“يا ترى بنتي الحقيقية عاملة إزاي؟ يا ترى شكلها إيه؟ يارب تكون كويسة… يارب ما يكونوش أذوها.”
بصت لطارق وقالت بصوت واطي: “طارق، نور دي… ذنبها إيه في كل ده؟ لو طلعت بنت شيرين، هنعمل فيها إيه؟ هنرميها؟”
طارق بص للمراية نظرة سريعة، ملامحه كانت صلبة:
“نور مالهاش ذنب، هي ضحية زينا بالظبط. لو طلعت بنت شيرين، هي بقت مسؤوليتنا… زيها زي بنتك. بس دلوقتي، كل همي نلاقي بنتك ونرجع الحق لأصحابه.”
بعد ساعتين.
العربية وقفت قدام بيت قديم ومتهالك في طرف قرية نائية في أسوان. الدنيا كانت ضلمة، والهدوء كان مريب، مفيش غير صوت الكلاب بتهوهو في البعيد.
طارق نزل، وطلب من سلمى تفضل في العربية. شد سلاحه (طبنجة) من تحت الكرسي، وطلع، ووقف قدام الباب الخشبي الموارب.
زق الباب برجله، والباب اتفتح بصوت صرير يوجع الودان.
الأوضة كانت فاضية، مفيش فيها غير كشاف صغير منور في الركن، وعليه صورة قديمة لشيرين… ومعاها صورة تانية، صورة طفلة صغيرة، ملامحها… ملامح سلمى بالظبط!
قلب طارق دق بقوة. قرب من الصورة، وبص لقى مكتوب وراها بخط إيد: “الهدية اللي هتدمرك يا طارق.”
وفجأة… صوت خطوات ورا الباب.
طارق لف بسرعة، ووجه سلاحه، بس اتفاجئ بشخص واقف، لابس جلابية صعيدي، ووشه مداري بالشال.
”مين انت؟ وايه اللي جابك هنا؟” طارق زعق.
الشخص نزل الشال من على وشه ببطء، وابتسامة خبيثة ارتسمت على شفايفه. كان راجل عجوز، ملامحه قاسية، وبصته فيها شر.
“جاي تدور على البنت يا طارق بيه؟ تأخرت كتير… البنت مابقتش هنا.”
طارق قرب منه، مسكه من رقبته ورفعه على الحيطة:
“البنت فين؟ انطق يا راجل يا عجوز، بدل ما أدفنك هنا!”
الراجل ضحك بصوت مبحوح: “شيرين هانم كانت عارفة إنكم هتيجوا. شيرين هانم نقلت البنت لمكان تاني… مكان مفيش حد يقدر يوصله إلا لو وافق على شروطها.”
سلمى كانت نزلت من العربية وسمعت الكلام، صرخت: “شروط إيه؟ شروط إيه اللي عايزاها؟”
الراجل بص لسلمى، وقال بصوت بارد:
“شيرين هانم مابعتتش البنت… بعتت رسالة. قالتلك يا سلمى هانم… لو عايزة تشوفي بنتك، لازم تتنازلي عن كل حاجة. عن ورثك، عن حقك في أرض جوزك، والأهم… إنك تطلقي من طارق، وتتجوزي الشخص اللي هي هتختارهولك، وإلا…”
طارق وسع عينيه بصدمة: “شخص مين؟!”
الراجل مد إيده في جيبه، وطلع صورة لراجل واقف مع شيرين، وسلمها لطارق.
طارق بص في الصورة، وعينه برقت بذهول، وسلمى وقعت على ركبها من كتر الصدمة لما شافت مين هو الراجل ده…
الراجل اللي في الصورة مكنش حد غريب… كان هو الشخص اللي سلمى وطارق بيثقوا فيه أكتر من أي حد في الدنيا!
…يتبع
صلوا على النبي في التعليقات
مين يا ترى الشخص اللي خانهم؟ وهل طارق هيقدر يواجه الصدمة دي؟ تابعوا معايا الجزء الخامس
“محمود؟! محمود صاحبي وأخويا ومحامي العيلة… هو اللي متفق مع الكلبة دي؟!”
صوت طارق طلع كأنه حشرجة طالعة من صدر بينزف، عينيه كانت مبرقة وهو بيبص للصورة اللي في إيده وكأنها حتة جمرة بتحرق صوابعه. ملامح وشه اتغيرت من الصدمة للجنون في ثانية واحدة.
سلمى شهقت بصوت عالي، وحطت إيديها على بوقها وهي بترتعش: “محمود؟ اللي كان بيعزيني في حسن وكان بيبكي معانا في العزا؟ اللي ساب شغله وحياته عشان يخلصلنا ورق الميراث ويقف جنبك؟ مستحيل… مستحيل يا طارق، إحنا في كابوس!”
الراجل العجوز اللي واقف قدامهم ضحك ببرود مستفز، وكأنه بيتفرج على مسرحية، وقال بصوت خشن: “الورق ورقهم، واللعب لعبهم يا طارق بيه… وصاحبك ده هو اللي رتب كل حاجة مع شيرين هانم خطوة بخطوة.”
طارق فقد السيطرة تماماً. رمى الصورة، وهجم على الراجل العجوز زي الأسد الجريح، مسكه من خناقه ورزعه في الحيطة بكل قوته لدرجة إن البيت القديم كله اتهز.
“انطق يا كلب! محمود عمل كده ليه؟ البنت فين؟ انطق بدل ما أطلع روحك في إيدي دلوقتي!” طارق كان بيزعق وصوته بيرج المكان، وعروق وشه هتكفر من الغضب.
الراجل كان بيكح وبيحاول ياخد نفسه بصعوبة، بس لسه الابتسامة الخبيثة على وشه:
“محمود بيه عينه من زمان على ست الحسن والجمال اللي وراك دي… كان هيموت من الغيرة لما أخوك حسن اتجوزها، وغيرته زادت لما إنت اتجوزتها بعده. وعينه أكتر على العزبة والأراضي اللي تحت إيدك. شيرين هانم وعدته بسلمى هانم والأرض، مقابل إنه يخلصها منك، ويساعدها ترجع بنتها.”
الكلمات نزلت على سلمى زي الكرابيج. حست إن الدنيا بتلف بيها، كل الناس اللي حواليها طلعوا وحوش لابسين وشوش ملايكة.
طارق ضغط على رقبة الراجل أكتر: “بنت سلمى الحقيقية فين يا فاجر؟”
الراجل رد وهو بيلهث: “مش معايا… البنت محمود بيه خدها بنفسه من ساعتين… زمانه راجع بيها على القاهرة.”
طارق ساب الراجل فجأة، وعقله بدأ يربط الأحداث بسرعة مرعبة. إذا كان محمود وشيرين عارفين إنهم جايين أسوان، وإنهم مرتبين كل ده… يبقى…
طارق لف لسلمى فجأة، وعينيه فيها رعب حقيقي، رعب عمره ما حسه في حياته كلها، وسألها بصوت بيترعش:
“سلمى… نور فين؟”
سلمى برقت عينيها، والدم هرب من وشها تماماً:
“نور… نور نايمة على الكنبة اللي ورا في العربية… أنا نزلت وراها أول ما سمعت صوتك بتزعق وسبتها…”
”يا نهار أسود!”
الكلمة طلعت من طارق وهو بيطير لبره البيت، وسلمى بتجري وراه وهي بتصرخ وتدعي ربنا إن ظنهم يخيب.
خرجوا للشارع الضلمة، طارق وصل للعربية… لقى أبوابها اللي ورا مفتوحة على مصراعيها.
بص جوه… الكنبة كانت فاضية. مفيش نور.
سلمى صرخت صرخة شقت سكون الليل في أسوان كلها، صرخة أم اتسرق منها بنتها للمرة التانية. وقعت على الأرض في التراب، بتخبط على وشها وتصرخ:
“بنتي! بنتي يا طارق! خدوا نور كمان! بنتي اللي ربيتها وبنتي اللي ولدتها الاتنين راحوا! يااارب… يااارب خدني وريحني!”
طارق كان واقف مكانه متصلب، عينيه بتدور في الضلمة على أي أثر، قلبه كان بيدق بسرعة تكفي تفجيره. فجأة، عينه لمحت حاجة بتنور وتطفي على كرسي السواق.
صندوق أسود صغير، جواه تليفون محمول بيرن.
طارق مد إيده المرتعشة، مسك التليفون. كانت مكالمة فيديو، ومكتوب على الشاشة “رقم مجهول”.
فتح الخط… وظهرتله الصورة اللي كسرت كل حاجة جواه.
على الشاشة، ظهر محمود… قاعد على كرسي فخم، وابتسامة انتصار باردة مرسومة على وشه. وفي الخلفية، سريرين أطفال… سرير فيه “نور” بتعيط، وسرير تاني فيه طفلة تانية في نفس العمر تقريباً، ملامحها نسخة مصغرة من سلمى!
”عجبك المشوار لأسوان يا صاحبي؟” محمود قالها بنبرة سخرية وشماتة.
طارق مسك التليفون بقوة لدرجة إن الشاشة كانت هتتكسر في إيده، وصرخ فيه:
“يا كلب يا خاين! يا واكل عيشي وملحي! ورب الكعبة لو لمست شعرة من البنات لهشرب من دمك يا محمود، وهخليك تتمنى الموت وماتطولهوش!”
محمود ضحك بصوت عالي، وقرب الكاميرا من وشه:
“تؤ تؤ، بلاش نبرة التهديد دي يا طارق عشان إنت دلوقتي في أضعف حالاتك. إنت اللي غبي، دايماً فاكر نفسك حامي الحمى، بس إنت مجرد عضلات من غير عقل. شيرين خدعتك، وأنا كملت عليها.”
محمود لف الكاميرا عشان يوري طارق وسلمى اللي كانت بتزحف في التراب عشان تبص على الشاشة وتشوف بنتها الحقيقية لأول مرة.
“بنت سلمى الحقيقية… ونور بنت شيرين. الاتنين معايا يا طارق. قدامك 24 ساعة بالظبط… يا تكتبلي توكيل عام بكل أملاكك وأراضيك، وتطلق سلمى وتجيبهالي لحد عندي… يا هرمي البنتين دول في النيل، وأخليكم تعيشوا بحسرتهم طول العمر.”
طارق صك على سنانه وقال بغل: “أنا هجيبك يا محمود… هجيبك ولو في سابع أرض.”
محمود ابتسم ببرود قاتل وقال:
“عارف إنك هتحاول، بس قبل ما تقفل وتفكر تعمل بطل… اسمع المفاجأة دي عشان تعرف إنت بتلعب مع مين.”
محمود سكت ثانية، وبص لطارق نظرة مليانة شر مطلق، وكمل:
“إنت فاكر أخوك حسن مات موتة ربنا من الزعل على ديونه؟ تؤ تؤ… حسن مات مسموم يا طارق. وأنا اللي حطيتله السم بإيدي في قهوته، وهو قاعد في مكتبي بيبكي وبيترجاني أساعده!”
…يتبع
تابع الباقي في الجزء الاخير
“محمود… يا خسارة العيش والملح اللي بينا، ويا خسارة ثقة أخويا اللي كان بيعتبرك ضله في الدنيا، طلعت أخطر من العقرب، بس العقرب غبي… لأنه قرص نفسه قبل ما يقرصني.”
طارق قالها وصوته كان هادي بشكل مرعب، مش صوت راجل مكسور، ده كان صوت راجل قرر ينهي اللعبة بضربة قاضية. محمود على الناحية التانية من التليفون، اللي كان بيترعش في إيده، حاول يداري ارتباكه بضحكة مهزوزة: “بتهددني يا طارق؟ إنت مفكر إني خايف؟ البنتين في إيدي، وأي حركة غلط مني أو منك، مش هيشوفوا نور الشمس تاني.”
طارق بص لسلمى، الغمزة اللي في عينه كانت بتهد جبال من الخوف. طارق كان بيسجل المكالمة، وكان باعت الإحداثيات للبوليس اللي بيتحرك دلوقتي على مخزن محمود السري في القاهرة، مش في أسوان. طارق كان عارف إن محمود بيلعب لعبة “القط والفأر”، فقرر يلعبها صح.
”اسمعني يا محمود… أنا في الطريق للقاهرة. التوكيلات، وكل اللي طلبته، جاهز. بس إياك، وبحلفلك برحمة أخويا اللي قت*لته، إياك تلمس شعرة منهم لحد ما أوصل. لو حصلهم حاجة، مش هسيب فيك حتة سليمة.” قفل طارق الخط وهو بيبص لسلمى اللي كانت بتعيط بصمت: “بنتي يا طارق… بنتي هتشوفني؟ هتعرفني؟”
طارق مسك إيدها وباسها: “هتشوفيها، وهتحضنيها، وهتنسي كل الوجع ده. جهزي نفسك، إحنا طالعين دلوقتي.”
بعد 10 ساعات.. القاهرة.
المخزن المهجور كان محاصر. طارق، ومعاه قوات العمليات الخاصة، دخلوا بكل هدوء. محمود كان قاعد بيشرب قهوته، واثق إن طارق جاي يسلمه الأوراق.
فجأة، الباب اتكسر. محمود قام مفزوع، وطلع مسدسه، بس لقى طارق واقف في وشه، وعينه بتطق شرار.
”رميت السلاح يا محمود، اللعبة خلصت.” طارق قالها وصوته زلزل المكان.
محمود حاول يهرب، وجري ناحية الأوضة اللي فيها البنات، بس طارق كان أسرع، نزل فيه ضرب بكل غل السنين اللي فاتت. الشرطة دخلت سيطرت على الموقف، والكلبشات لبست إيد محمود اللي اتلطخت بدم أخوه.
سلمى دخلت جري، قلبها كان بيدق بسرعة لدرجة إنها حست إنها هتقع. لقت بنتين نايمين على السرير. راحت للي ملامحها نسخة منها، لمست وشها، حسّت بكهرباء سريت في جسمها. الطفلة فتحت عينيها، وبصت لسلمى… وكأن روحها عرفت أمها.
“ماما؟” الطفلة قالتها بكلمة بسيطة، لكنها كانت كفيلة إنها تهدم كل حصون سلمى.
سلمى شالتها، وانهارت في العياط، وضمتها لحضنها كأنها بتغرسها جواها: “يا روحي يا بنتي… يا قلب أمك… وحشتيني يا حبيبتي، وحشتيني أوي!”
طارق قرب منهم، وشال “نور” اللي كانت بتعيط بخوف، وهداها في حضنه. بص لسلمى والدموع في عينه: “أهو يا سلمى… بنتك رجعتلك. والشر اتداس تحت الرجلين.”
بعد مرور ست شهور.. في فيلا طارق.
الشمس كانت طالعة مبهجة، العصافير بتغني، والفيلا اللي كانت مليانة حزن وكآبة، بقت مليانة دفا وصوت ضحك أطفال.
سلمى كانت قاعدة في الحديقة، “نور” بتلعب على الحشيش، و”حنين” (بنتها الحقيقية) قاعدة في حضنها بتلعب في خصلات شعرها.
طارق خرج ليهم، شايل صينية فيها فطار، قعد جنبهم وباس راس حنين، وبعدين بص لسلمى بحب: “لسه شايلة هم حاجة يا ست الكل؟”
سلمى ابتسمت، ابتسامة من القلب، لاول مرة تحس إنها حرة: “أنا مش بس حرة، أنا حاسة إن ربنا عوضني بيك وبيهم عن كل لحظة وجع عشتها.”
طارق مسك إيدها: “شيرين ومحمود قضوا بقية عمرهم في السجن، وحسن أخد حقه بالقانون، وبناتنا كبروا قدام عينينا. أنا اللي كسبت يا سلمى، لأني قدرت أحميكي.”
نور جريت على طارق وحضنته، وحنين جريت على سلمى. الاتنين بناتهم، الاتنين عيلتهم. لا شيرين، ولا التزوير، ولا أي شر في الدنيا قدر يفرق عيلة طارق وسلمى.
سلمى بصت للسما وابتسمت، عرفت إن كل اللي حصل كان اختبار، والحمد لله، هما نجحوا فيه.
الرواية خلصت، بس حياتهم لسه بتبدأ، حياة مليانة حب، وأمان، وعيلة مابيفككهاش غير الموت.
”بحبك يا طارق.”
“وأنا بعشقك يا سلمى.”
تمت.
لو عجبتك الروايه متنساش التفاعل معاها ومتابعه لصفحتي سهر الحكايات حتي يصلك الجديد




