كافتريا الامانه

بصيت للبنت من فوق لتحت، النظرة اللي كانت كلها انكسار في الأول اتمحت، وحل مكانها نظرة هدوء غريب. ابتسمت ابتسامة خفيفة أوي، وبصيت لطليقي وقولتله بصوت واطي بس واثق ومسموع: “شكراً يا ابن الأصول.. شكراً إنك جيت النهاردة ووريتني وشك الحقيقي اللي كنت دايماً بتحاول تداريه ورا قناع الغلبان والمظلوم. أنا فعلاً كنت غلطانة لما فكرت في لحظة ضعف إن كان فيه بيننا عشرة تستاهل أرفع السماعة عشانها”.
التفت للبنت اللي كانت واقفة تتعدل بغرور وقولتلها: “أما أنتِ بقى يا حبيبتي.. فمبروك عليكِ ‘التفاح الأمريكاني’ اللي فرحانة بيه. بس افتكري كويس، إن اللي يبيع عشرة سنين وبيوت اتقفلت في ثانية عشان يكسر عين ست لجأتله في لحظة حنين، هيبيعك أنتِ كمان في أول محطة لما يلاقي تفاح أجدد وأحلى. المكياج والشنط الماركة بيداروا الوش، بس مبيصلحوش النفوس المريضة”.
طليقي وشه اتخطف وفجأة الضحكة الصفرا اختفت من على بقه، وحاول يتكلم ويقاطعني بعصبية وهو بيقوم من على الكرسي: “أنتِ هتعملي فيها شجيعة سيما؟ خدي بعضك وامشي من هنا بدل ما…”
مقاطعتوش، بالعكس، رجعت خطوة لورا بكل كبرياء، وبصيت للمكان كله وقولت بصوت قوي: “أنا ماشية.. بس ماشية وأنا راسي في السما. أنا متهزمتش النهاردة يا …، أنا النهاردة اتكتبلي عمر جديد وعرفت إن طلاقي منك كان أكبر نعمة ربنا جازاني بيها، بس أنا اللي كنت عمية. اشبعوا ببعض”.
لفيت ضهري ومشيت، وكل خطوة كنت بخطيها بعيد عن تربيزتهم كانت بتحسسني إن جبل كان كاتم على نفسي واتشال. خرجت للشارع والهوا الشديد خبط في وشي، والدموع اللي حبستها نزلت غصب عني، بس مكنتش دموع قهر.. كانت دموع غسيل من قرف السنين اللي عشتها مع بني آدم ميعرفش يعني إيه رجولة.
ركبت أول تاكسي قابلني، وطلعت موبايلي ومسحت رقمه وحظرته من كل حتة، وأنا بحلف لنفسي إن الوش “الشقيان” اللي عايروني بيه، من النهاردة هيتغير، والكسرة دي هتبقى هي البداية الحقيقية لست جديدة خالص مش هتشوف الرفوف اللي اتكلموا عنها، بل هتبني لنفسها حياة تخليهم هما اللي يبصوا عليها من بعيد ويموتوا من ندمهم.



