كدمات ليلي

ليلى شهدت عن طريق “الفيديو كونفرانس” من أوضة تانية مقفولة، وكانت قاعدة وجنبها دكتورة نفسية متخصصة. كنت قاعد جوة القاعة عيني على الشاشة، وضامم إيديا بقوة لدرجة إن عقل صوابعي ابيضت من الشد والتوتر.
المستشارة نجوى بدأت تسألها بأسئلة هادية وحنينة: — “ليلى.. حبيبتي، إنتي عارفة إحنا قاعدين هنا النهاردة ليه؟” ليلى هزت راسها: “عشان تيتا كانت بتوجعني.” — “تقدري تقولي لنا إيه اللي حصل؟”
ليلى بصت للدبدوب اللي في إيدها، وبعدين رفعت عينيها للشاشة: “لما كانت بتعملي الضفيرة، لو اتحركت كانت بتضربني في ضهري.. وتقولي البنات المؤدبات بيقعدوا ساكتين. وقالت لي لو قولت لماما، ماما هتعيط والذنب هيبقى ذنبي أنا.”
المحامي ممدوح سليمان حاول يدخل يستجوبها، وبدأ بصوت ناعم مصطنع عشان ميبانش شرير قدام المحكمة: — “ليلى يا حبيبتي.. هو بابا هو اللي قالك تقولي الكلام ده؟” ليلى كشرت وحواجبها اتعقدت ببراءة: “لا.. بابا قال لي قولي الحقيقة بس.” — “طب هو بابا مكنش بيحب تيتا؟” — “بابا كان بيحب كل الناس.. لحد ما تيتا وجعتني.”
سمعت همهمة وحركة في القاعة.. كلام البنت صدم الكل. المحامي غير خطته وبدأ يخشن صوته شوية: “بس الأطفال ساعات بيفتكروا حاجات محصلتش، أو بيتهيأ لهم حاجات غلط.” ليلى ضمت دبدوبها لـ صدرها وقالت كلمة واحدة قتلت الصمت في القاعة: — “أنا فاكراها صح.. عشان كانت بتوجع.”
الجملة دي وقعت زي الصاعقة.. المحامي مابقاش عارف ينطق.
بعدها جه دور سلمى عشان تشهد..
عمرى في حياتي ما فخرت بحد زي ما فخرت بمراتي في اللحظة دي. وقفت قدام القضاة وهيئة ، وحكت لهم عن الدواليب، والأحزمة، والمعالق الخشب.. عن وقوفها في الزوايا بالساعات.
عن الكلمات المسمومة اللي كانت بتسمعها كل يوم؛ إنها جاحطة، بتاعة دراما، مقصرة، وحشة، وأنها من غير أمها م تسواش قشرة بصلة. حكت لهم عن شعور إنك تكبر مع أم بتعمل صواني الأكل والشرب للجيران وتتبرع للجامعات الخيرية، وفي نفس الوقت بتنيم بنتها على البلاط.
ممدوح سليمان حاول يكسرها ويهز ثقتها بنفسها:
— “مدام سلمى.. مش حقيقي إنك بتتعالجي وبتاخدي مهدئات وأدوية قلق واكتئاب؟” — “أيوه، حقيقي.” — “ومش أدوية القلق دي ممكن تأثر على الذاكرة وتخليكي تشوفي حاجات محصلتش؟” — “ممكن تأثر على الذاكرة.. بس مابتخلقش علامات وكدمات على الظهر.” — “أنتي زعلانة من والدتك؟”



