في تلك الليله
في تلك الليلة التي كان من المفترض أن تكون ملاذًا آمنًا لهما، كانت مريم تشعر للمرة الأولى منذ أسابيع بأنها استعادت زوجها بالكامل. بين ذراعي أدهم، بدا العالم بعيدًا جدًا، وكأن أبواب الحياة كلها قد أُغلقت خلفهما، ولم يبقَ سوى نبضين يتعانقان في هدوء. كان يهمس في أذنها بكلمات بسيطة، لكنها كانت كافية لتبدد كل تعبها، فتضحك بخجل وتدفن وجهها في صدره، شاعرة بأنها المرأة الوحيدة التي يراها ويحتاج إليها.
في تلك اللحظات، لم تكن مريم زوجة فقط، بل كانت وطنًا صغيرًا احتمى به أدهم من ضغوط الحياة، وكان هو السند الذي احتمت به من قسوة الأيام. شعرت بأن قربه يعيد إليها شيئًا افتقدته طويلًا: الطمأنينة. لم تكن تحتاج أكثر من ذراعيه حولها لتصدق أن الحب لا يزال موجودًا، وأنها ما زالت تحتل مكانتها في قلبه.
لكن السكينة التي أحاطت بهما لم تدم.
فجأة، انشق الصمت بصوت تعرفه جيدًا، صوت يحمل في نبراته قسوة وحقدًا دفينًا. تجمد الدم في عروقها، وشعرت بأن كل دفء اللحظة تبخر دفعة واحدة. لم تستوعب ما يحدث إلا حين أُضيئت الغرفة بعنف، ووقفت والدة أدهم أمامهما، بعينين تقدحان شررًا، وكلماتها تنهال كسياط على روحيهما.
كانت كلماتها أكثر إيلامًا من أي صراخ. لم تكن تقتحم غرفة زوجين فقط، بل كانت تقتحم حرمة علاقة مقدسة، وتدوس بقدميها على خصوصية لم يكن يحق لأحد انتهاكها. نظرت مريم إلى زوجها، فرأت في عينيه الذهول ذاته، والعجز ذاته، والجرح ذاته.
لم تستطع الرد. شعرت بأن كرامتها تتفتت أمامها، وأنها لم تعد قادرة حتى على البكاء. كان الصمت هو وسيلتها الوحيدة لتحمي ما تبقى من نفسها.
عندما خرجت الحماة أخيرًا، تركت خلفها غرفة باردة، رغم أنفاسهما المتلاحقة. لم يعد هناك مكان للهمسات ولا للضحكات. بقي أدهم جالسًا، مطأطئ الرأس، بينما تحركت مريم ببطء كأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الانكسار.
دخلت الحمام، ووقفت تحت الماء محاولة أن تغسل شعورها بالإهانة، لكن بعض الجروح لا يطهرها الماء. ارتدت ثيابها بصمت، جهزت حقيبتها، حملت طفلها، وغادرت دون كلمة واحدة.
لم تصرخ، لم تعاتب، لم تبكِ في تلك اللحظة. كان الوجع أكبر من أن يُعبَّر عنه. كان صمتها أبلغ من ألف شكوى.
وفي بيت والدها، ظلت ساكنة كأن روحها تركتها مؤقتًا. وحين أخبرها والدها بما قيل له، انهارت أخيرًا. انفجرت بالبكاء الذي احتبس في صدرها طوال الليل، بكاء امرأة لم يؤلمها اقتحام الغرفة فقط، بل إدراكها أن قدسية زواجها أصبحت مستباحة، وأن حبها الذي ظنته حصنًا آمنًا لم يكن كافيًا ليحميها من هذا القدر من القسوة.



